مقالات

الاثنين، 29 أغسطس 2016

نجيب محفوظ ، ملحمة ذكية التواصل ، متنوعة العطاء

هو حقا ملحمة قوية ذكية ذات أبعاد متنامية تتلاقى وتتكامل، لتقدم للإنسانية ذلك العطاء المتعدد المتنوع في الفكر والأدب، أو إن شئت قسمة الثقافة الوسيعة المتشعبة؛ تأكيدا للسنة الكونية في ثبوت استمراريتها في التطور والإبداع، كما أراد الله لها سبحانه وتعالى؛ لتواكب كل ما تقوم به حياة الناس في جميع الظروف والأحوال، وفي كل الأزمان و الأماكن

إذاً فإن كاتبنا العظيم نجيب محفوظ هو المعْلَم الواضح والرمز الصادق لمرحلة خطيرة في عمر العصر الحديث؛ بما تحدثت عنه آماد عمره هو شخصيا فيمـا تأثره وقدمه، فكما أن مصادر تأثره متعددة متنوعة، فإن ينابيع عطائه متعددة متنوعة لا تقف عند حد فلقد تأثر الثقافة العربية فكرا ومعنى وأدبا ولغة، وعاش أعماق الحضارة المصرية تاريخا وآثارا بحب وعمق وقوة إدراك،ولم يفته أن يفتح عينيه على ثقافة الأمم الأخرى أيضا لغة وفكرا، فتستوعب قدراته كل تلك المؤثرات استيعابا خلق منــه نجيب محفوظ الأديب المصري العربي المسلم عالمي التأثير والربـط بطريقة جعلت من فنه المكتوب، أو الممثل مرآة لحياة كل الشعوب فيما تنشط فيه حركتها الاجتماعية وواقعها التعاملى العام؛ حتى صار نبض الشارع والمقهى والسوق ،ومتجه الشيوخ والشباب، والنساء والرجال، والطفولة واليفاع، والعقلاء والمهاويس، وفي ضوء كل ذلك قد جسّم تاريخ مصر الطويل امتدادا بعصور القدماء، ووصولا إلى العصر الحديث بكل ما يحمل هذا التاريخ من دلائل النضال الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري؛ بما تحققت به آمال المصريين نهوضا واقتدارا في أمثال تلك المناحي ذات الملامح الخطيرة تأثيرا وتأثرا

ثم إننا إذا أردنا أن نطوف ببعض التفصيل حول حكايته الذاتية التي تمثل المدد الذي استقى منه نبض حيواته المختلفة ـ  فإنه لامانع من أن نذكر بعض نماذج لتلك المصادر التي أخذ من عطائها ما أخذ، مستنيرين بأحاديثه الإعلامية الشخصية التي كثف الإعلام المصري الكريم من بثها أو بث شيء منها في الآونة الأخيرة ، حيث لحق (رحمه الله تعالى رحمة واسعة) بالرفيق الأعلى. لقد التحق في طفولته بالكتّاب وحفظ شيئا من القرآن الكريم ومحا أميته في القراءة والكتابة وتعلم قدرا من مبادئ الحساب ، ثم عاش دروس أحد شيوخ الأزهر الشريف الذي فسر له (إلى جانب ما وعاه منه من أدب ولغة) جانبا من آيات القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وقرأهما هو قراءة إعجاب وتأمل ودراية، ثم قرأ عن رغبة وإعجاب كذلك كتب الأديب المصري الفذ مصطفى لطفي المنفلوطي أحد رواد النهضة الأدبية المصرية الحديثة، بل هو من المشاهير الذين أسسوا لتلك النهضة، فوضعوا لها قواعدها المتينة ، وخططوا لبنيان لها متماسك مرصوص ، إن أديبنا العظيم الأستاذ نجيب محفوظ تأثر العربية معنى ولغة ، وأسلوب كتابة ، وعاش مع أدباء العصروفنانيه وكل مثقفيه ، يقرأ لهم ، ويشاهد أعمالهم المرئية ، ويصغى إلى إنتاجهم المذاع ، كالعقاد وطه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ، قرأ لهم ، ولكثير من غيرهم ممن احتوتهم أيامهم ، قرأ بحب ونهم تاريخ مصر القديمة ، وشاهد كذلك بحب ونهم آثارها العملاقة ، كما قرأ الآداب العربية في عصور قوتها وازدهارها بشغف بالغ غاص به في أعماقها يستلهم عظمتها ويرسم لخياله وعقله ومشاعره صورة ما احتوت عليه تلك الآداب من روعة في العرض ، وقوة في الفكر، وجزالة في الأسلوب ، بل ربما يكون قد قرأ لبعض أدباء فترات لضعف من باب العلم بالشيء ولا الجهل به ؛ حتى بلغ ما بلغ من إدراكات ؛ رائدا يخاطب الحياة كل الحياة في أرجاء ذلك العالَم الفسيح

تعاون في ذلك الذي نوهنا به من مصادر مكون شخصيته عناصر أخرى كثيرة، شملت حركة حياته بكل واقعها النظري والعملي في طفولته وشبابه وشيخوخته ، وحتى المرحلة التي تجسد فترة هَرَمِه ظل إلى نهاياتها حاضر البديهة قويها (اللهم إلا أياما معدودة خضع فيها لقضاء الله بشدة المرض ؛ حيث كان قد اقتربت به غاية الأجل ، رحمه الله رحمة واسعة فتأثر فيما تأثره واقعَ حركات الناس من حوله في معاشهم اليومي وتعاملاتهم الشعبية على تنوع في ذلك وتفريع ، وتأثر كذلك  تعاملات الآخرين التحضُّرية على اختلاف درجاتها ، وكذلك تأثر واقع حياته الوظيفية ؛ حيث تمثل تلك الحياة قيامه بواجبات الوظائف المختلفة التي شغلها حقبة ليست بالقصيرة من عمره في أماكن متباينة التخصص والثقافة ؛هذا فضلا عن ثقافته التعليمية النظامية بين التعليم الأولى المرحلى ، والدراسة في الجامعة المصرية ؛ إذْ صقلت تلك الدراسات السابقة واللاحقة ، ولاسيما ما عايشه مــن الدراسات الفلسفية بنظرياتها المتعددة ـ مواهبه ، كما صقلت مهاراته بكل معطيات الصقل ، ومنميات مستوى الوعي والاقتدار؛ ليتفجر طاقات مشحونة بالإبداع والابتكار تفجرا دافقا بعطاء غيرمحدود ، وقد اتصل اتصالا لابأس به في صورة أو أخرى ببعض الآداب الأجنبية ولغاتها ، فأفاد منها ماسنحت له فرصة لتك الإفادة ، هذا مع محاولته دراسة حياة أهل تلك الآداب ؛ لمعرفة ما شاع بينهم من تقاليد وعادات، فتمثل ذلك كله تمثل من يعيشها من أهلها، حتى صب في قوالب أعماله ملامح لنماذج في صور تكاد بفنيته الرائعة تكون متحركة ناطقة ، وهو منهجه الذي تفرد به في كتابته، وخاصة القصصية منها

فصار نجيب محفوظ بحق حلقة وصل بالغة القوة في الربط بين الماضي والحاضر، والقديم والحديث ، والتحتية الشعبية والفوقية البهوية ، وبين الواقعية والتخيلية ، وبين محلية الوطن وربما الأمة وعالمية الشرق والغرب والشمال والجنوب ؛ وصار نجيب محفوظ بحق ينبوعا غزيرا لعطاء زمنه وأزمان لاحقة (إن شاء الله) يستهويها الاستعداد والمبادرة بإقامة أعياد ميلاد مشرقة بالفرح والسعادة بما يجود به القدر من أمثاله الذين راقهم أدبه وفنه؛ فتأثروه بعد عشق شديد،وساروا على دربه باقتناع أشد ؛ لأن مصر بحق ولادة ، ولن ينقطع المدد بإذن الله تعالى

و إن شاهد الواقع ماضيا وحاضرا ليؤكد أنها تلد النجباء والعظماء في كل مجال ميلادَ استمرارية وتواصل ، وتجديد وإبداع ؛ فمن ماض سحيق مبدؤه الإصلاحي الكبير الشيخ رفاعة الطهطاوى ، والمجدد النابغة على مبارك إلى عصر نجيب محفوظ ـ قد سجل التاريخ على أنصع صفحاته ما لمصر من أمجاد عظيمة الأهمية والخطورة ، قاد مسيرتها أعلام مرموقون في كل تخصصات الحياة الناجحة القوية العزيزة ، منهم وليد الأدب العربي الرفيع العظيم المتسامي رفعة وعظمة ذلك النجيب المحفوظ الذي جعل الله له من عمله نصيبا من اسمه ؛ فأنعم به وأكرم

ثم إن محطا مهما على طريق إبداعاته الكتابية أرى أنه من الضروري التنويه به والإشارة إليه : إنه المحط الذي يقف عنده طويلا كل من يقرأ نجيب محفوظ وقوف إعجاب وتأمل؛حيث يجتذبه الأسلوب في فصاحته وسلاسته وبلاغته ، مع قدرة هادئة منظمة في نقل الفكرة من عقل الكاتب وقلبه ورؤيته إلى كل تلك المكامن في ملكات الكائن البشرى لدى كل قارئ فاهم ومتذوق ، وما أروع كاتبنا العظيم يقدم قصَصَه التاريخي من خلال قنواته الفنية باقتدار وأي اقتدار حين يمزج بين الكلمات العربية بفصاحتها المسوقة بها من خلال جهوده الهادئة في تطويعها؛ رغبة غيورة منه في التأكيد على إثبات أنها لغة ثرية وقادرة على المواكبة والممازجة؛ وبين مصطلحات اللغات المصرية القديمة على بعد أزمنتها وغرابة مكونها، مع صعوبتها على من يريد نطقها وفهم مضامينها، كأسماء الأماكن والأشخاص ومعدات الحرب الآلية والخدمية، وغير ذلك من أرقام، وأعداد لها كبير علاقة بموضوعات الأحداث ومسار حركتها! فاستطاع نجيب محفوظ أن يؤلف بين ذلك الشتات الأسلوبي اللغوي تأليف أديب نابغة رائع الخيال في تقديم عمل فني توافرت له كل خصائص الفن العالي الرفيع.

وأقرأ له إن شئت قصته" كفاح طيبة"، أو غيرها من قصصه التاريخي، ثم ماذا لوقرأت له من قصصه في مجال آخر ، كقصته " أولاد حارتنا "؛ فإنك في كل حال ستخرج بما يدفعنك دفعا مقنعا بالاعتراف بريادة ذلك الكاتب الكبير في كل ما قدم، وستدرك من خلال تلك القناعة بأن نجيب محفوظ الأديب المصري العربي المسلم بهوية العقيدة والوطنية والجنسية، والعالمي بخاصية التواصل والعطاء ـ لايقدر قدره ما قدم له من أوسمة وشهادات تقدير وجوائز كـان علـى رأس قائمتـها "جائــزة نوبــل" وهى جائزة الفائقين في كل فن وعلم، والفائقين في نشر مبادئ الحق والعدل والسلام ، ولايساوى ماقدم له قصاصة تجتذب من خضم بحر ممتد وعميق؛ إنه واسع القدرات متنوعها كسعة قدرات لغته وتنوعها؛ فيما تحدثت به تلك اللغة العصماء على لسان شاعرنا العظيم حافظ إبراهيم:

أنــا البحـر في أحشائـه الـدر كامـن    فهـل سـاءلـوا الغــواص عـن صدفاتي

فتغمد الله نجيب جيب محفوظ بواسع رحمته، وأبقى مصر منجبة سباقة ، رخية قوية عزيزة منتصرة

اللهم آمين

محمد حفني القرشي الخطيب
الموجه العام للتربية الإسلامية واللغة العربية بمديرية قنا للتربية والتعليم سابقا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق