بسم الله الرحمن الرحيم وصلاة وسلاما على سيد الأولين ، والآخرين سيدنا محمد ، وعلى آله وصحابته والتابعين ! وبعد : فقد تحدثنا أمس عن المصير السيء الذى يتعقب به المولى-جل جلاله- حملة مشاعل الاتكالية على قوة النسب : الأهل ، والمال،والعيال إن حقا،أو هما ، أو خلطا بين الحقيقة ، والكذب ، ونذكر الآن أمثلة تؤكد أنَّ تلك الاتكالية صفحة كانت مظلمة فى دروب الجهل ، والتخلف ، ليس لها فى شرع الله - تعالى- نصيب ، منذ أن خلق - جل شأنه- الدنيا ، و أمدها بالأنبياء ، والمرسلين .
وحول أحداث غرق سفينة نوح -عليه السلام- نذكر لك ذلك الرسول الكريم ضارعا إلى ربه؛طالبا نجاة ولده الأعز الأغلى،كما جاء فى قوله -تعالى-:" وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إنَّ ربى لغفورٌ رحيم . وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوحٌ ابنَه وكان فى معزلٍ يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين . قال سأوى إلى جبلٍ يعصمنى من الماء قال لا عاصمَ اليومَ من أمرِ الله إلا من رحم وحالَ بينهما الموجُ فكان منَ المُغرَقِين" إلى أن قال -تعالى - على لسان نوح -عليه السلام-:
"وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46). هودمن41إلى 43،و45،و46.
"وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46). هودمن41إلى 43،و45،و46.
واقرأ قوله - تعالى-:" وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ " التوبة 114.
فهل كان للنسب فى الحالين مرد لقدر الله الذى يتنزل بالحق والعدل بقياسية العمل الصالح؛كما أقره الله - تعالى -وهو راض عن فاعله ؛ لأن فيه الفلاح العام ، مقترنا بالفلاح الخاص ، وهما ديدن احترام الإنسان ، ومناط حقه فى العيش الحر الكريم ، و الذاتية العزيزة المحترمة.
" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا " الإسراء70.
و من حديثنا حول النسب ، تبين لنا أن ارتباط المرء بنسبه واجب تحتمه المروءة الإسلامية ، و الإنسانية من منطلق قوله - تعالى -:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)الحجرات 13؛
فإن ذلك المعنى تحتويه دعوة الإسلام الصريحة إلى التواصل ، والتراحم بين ذوى القربى: قال - عليه السلام-فيما معناه : " اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم"
غير أنى لا أرى مندوحة فى الإسلام يثبت أحد من خلالها أن فى الفخر بالنسب منجاة من المسئولية التى حمل المولى - جل وعلا - عباده بها فى الدين ، والدنيا ،أو أن فى الفخر بالنسب إتاحة الفرص العوجاء فى الحصول علي مكاسب مهترئة منقوصة ؛ لأنها تتحقق فى مراتع الشيطان ، والهوى ؛ بالظلم والزور والبهتان والجبروت و السلطان ؛ فتضيع الحقوق ، و ينتشر الفساد ، ويستهان بالفضيلة ؛ لتعم الرذيلة ، ويصير كل شىء قائم على مدد بنى فلان ، وبنى علان وهم المتنسبون أهل البلاد ، وأسيادها، ثم تتطور الأحوال ، و تزداد تعقيدا ؛ فتتبارى كل قبيلة لتحظى بصيد أوفر ،ويثور المارد القابع تحت الرماد من الظلومين والمضطهدين والمستضعفين بعد طول سكوت على المهانة والمذلة ، وهو آدمى وابن ناس مخلوق لربه-تعالى-كما خلق - جل شأنه - بقية خلقه :
" أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)المرسلات .
تمور نيران الفتن ، وتتحرك مشاعر متفاوتة بين المتمادين فى البغى والعدوان ، والحاقدين الباحثين عن المثل ، والمستضعفين الذين تحركت فى دمائهم نخوة الكرامة ، وكرامة النخوة بروح إسلامية إيمانية ، لا تقبل العيش إلا عزيزة باعتزازها بخالقها ، وتمسكها بمنهج نبيها المدافع عن الحق ، وأهله القاضى بالعدل والصواب ضد المتعالين والمتجبرين .
وأمثل لك بما خَلَفَتهُ ، وما زالت تخلفه العنصرية المتعصبة الملتحفة فى عباءة النسب و القبيلة ببلادنا العربية ، و منها : السودان-ليبيا -العراق - سوريا ؛ فمَكّن هذا الغول القبلى المنحرف عن الخلق الصحيح ممتدا من قيم الإسلام وآدابه - مَكَن أعداء العروبة والإسلام من تنفيذ مخطط التمزيق و التشتيت والتشويه ، والدمار الذى أتى على الأخضر واليابس .
وهكذا ساءت الأحوال بعد أن ضللنا الطريق ، وآل أمرنا إلى أن يكون تمسكنا الخاطئ بتقاليد ، لا يحكمها غير آمالنا الجوفاء من طمع فى الدنيا ، وملذاتها من غير عمل صالح يحمى المعتقد ، ويبرر لسلامة الحياة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق