مقالات

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

( اللغة العربية القراءة والكتابة والتحدث )(٢)

       فى الحلقة الماضية أشرنا إلى أهمية اللغة العربية بما أكرمها الله به من كونها لغة القرآن والسنة، ولغة الأمة التى وعتها وحافظت علي كيانها الفرائى الكتابى التحدثى ، وهى الفصيحة القادرة على التعبير االسهل البسيط بما يناسب الملكات الإنسانية كافة . ثم اختلط أهلها ممن كانت تلك اللغة تنسحب عليهم ميراثا توجهه السليقة والفطرة - اختلطوا بغيرهم ممن كانوا يتفاهمون بلغات أخرى فى مواقع كثيرة من العالم بعد امتداد مساحة الدولة الإسلامية امتدادا اضطروا بسببه أن يأخذوا ويعطوا فى مجال الثقافة واللغة؛ مماساعد على تشويه الفصيحة واختلال مقوماتها الصحيحة التى تنزل بها القرآن الكريم بما داخلها من كلام وعبارات غريبة على الفهم العربى واللسان العربى كذلك؛ فاضطر العرب أن يتقبلوا ذلك على مضض، كما اضطروا إلى أن يقسموا اللغة إلى فصيحة وعامية ؛حتى ساد ذلك المفهوم ، واستمر- مع الزمن - تقتصر الفصيحة فيه على بعض من وسائل بث الفكر والعلم والمعرفة،والإعلام الصحافى والإذاعى والتلفازى، وكثير من طرق التبليغ والتعليم كتابة وفراءة وتحدثا ، لكن بتحفظ شديدوحرص أشد وتضييق أكثر شدة؛ لغلبة تدفق العامية وشيوعها ومروجين لها؛ حربا عاتيةعلى الفصيحة بكل أبعادها المعرفية التثقيفية ؛ زاعمين أنها عاجزة عن الاستيعاب والتعبيرفيما تكون فيه أداة لذلك، وقد تقدم الزمن باستخدام اللغات الأخرى لعالم تطور وتقدم بسبب لغتهم الفارقة فى حياتهم المتمثلة فى القديم والحديث . 

           وفى أجواء التواصل العربى الإسلامى بكثير من الأمم والشعوب ذلك التواصل الذى تنامى مع تنامى أركان الدولة الإسلامية التى امتدت إلى كل أنحاء المعمورة - تداخلت اللغات وتنوعت اللهجات،وصار من الصعب تخليص اللغة العربية مما شابها من تشويه وضعف وخمول ؛ بسبب ذلك التداخل المريب؛ حينئذ لم يجد العرب بدا غير تخصيص الفصيحة بجعلها لغة العلوم والآداب والفنون : كتابة ، وقراءة ، وتحدثا .

           وهكذا كلما زدات مساحة العلاقات بالخارج - خارج شبه الجزيرة العربية - ازداد اللسان العربى والقلم العربى تأثرا إلى حد الخلط والخطأ ،والخطأ ألأكبر فى نحو تلك اللغة المقوم لها جملة وتفصيلا ؛ابتغاء سلامة المعنى وفهمه وتطبيق مضامينه ؛ لأن فواعد النحو ماكانت العناية بإيحادها إلا للوقوف ضد الخطأ الذى بدأ ظهوره فى منظومة اللغة العربية قراءة وكتابة وتحدثا فى المرحلة الأولى من التواصل العربى الأجنبى الذى تم التنويه به سلفا . 

             ومن الأمثلة الطريفة لأحد ظواهر ذلك الخطأ أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - كان يمر بأحد شوارع المدينة فشاهد أطفالا يلعبون بطريقة دعت الخليفة العظيم أن يوجههم إلى الصواب ؛فقال له أحدهم : نحن قوم متعلمين ، فتركهم قائلا: والله لخطؤكم فى لسانكم أشد على من خطئكم فى لعبكم . 

          وحكى أن عليا بن أبى طالب - رضى الله عنه - كلف أبا الأسود الدؤلى أن يعد كتابا فى قواعد للغة العربية تضبط به الألسنة؛ مقدما له نموذجا يفعل مثله؛قائلا له : انح هذا النحو ، ومن هنا سميت قواعد اللغة العربية نحوا ، وسيقت من أسباب الاهتمام بوجود النحو أو القواعد حكاية الرجل الذى قرأ قوله تعالى خطأ :"وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسولِه " بكسر لام رسوله ؛ فالخطأ أن كسر اللام جعل - والعياذ بالله - برأءة الله - وحاشا لله - تنسحب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! 

    ثم ظهرت فى الآفاق الفكرية فى القرون المتأخرة دعوات حاقدة مضللة تنسب إلى اللغة العربية الفصيحة قصورافى التفاعل المعرفى أداء وتثقيفا؛بتهمة أنها آثار قديمة لاتستطيع التطور والمواكبة مع متطلبات التقدم علميا وتقنيا، وأكدوا بأنه لامخرج من هذا المأزق الا اعتماد العامية لغةَ ثقافة شاملة تحل محل لغة العرب التى تمزقت أوصالها بالتقادم والتخلف على حد زعمهم. ولنا - إن شاء الله تعالى - لقاء .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق