مقالات

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

اللغة العربية : القراءة والكتابة والتحدث (٤)


          قلنا فى الحلقة السابقة إن العامية تتفاوت فيها اللهجات بين إقليم وآخر،ودولة وأخرى؛ فهل تصلح أن تكون هى لغة الأمة العربية،مع عدم قدرة الناطقين بها على استيعاب معانيها فى جو ذلك التفاوت والاختلاف؟، هل فى مقدورها أن تكون لغة العلم والتعليم والإعلام والفنون والآداب، والفكر السياسى والعسكرى والاقتصادى والفلسفى والاجتماعى؛فضلا عن الفكر الدينى والأخلاقى، وجملة كل ثقافة تقتضيها حياة الشعوب والدول على وجه أعم ، والأمة العربية الإسلامية على وجه أخص؟


         وهى المنوط بها أن تستظل بظلال اللغة العربية الفصيحة فى كل ملتقى ثقافى معرفى تواصلى؛ تعقد فيه المؤتمرات، وتدرس فيه قضايا الأمة العربية الإسلامية متناولة كل أبعاد وجودها متنوع الحاجات والاتجهات فى إطار متحد الغاية والمصير؛ بحلول إسلامية ناصعة. يقول - تعالى -: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب " المائدة 2.ويقول - جل شأنه : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم "التوبة 71.

          فهل يمكن تحقيق كل ذلك بالعامية التى لاتمثل اتحادا يفهم به العرب والمسلمون معانى مقاصدهم فى ظل تجمعهم واتحادهم فى غاياتهم التى تقوى الآصرة، وترفع المكانة، و تتسامى عزة وقوة فى عالم يحاول فيه القوى أن يهدم كيان الضعيف ؛ ومن أجل تحقيق هذا الأمل - اختلق الأعداء : أعداء الإسلام طرقا حديثة للاستعماروالهيمنة ؛ جعلوا من بلادنا ساحات للصراع المدمر؛ حتى بات كثير من أممنا وشعوبنا يعيش الذل والهوان؛ تننهك حرماته و تباح كرامة أهله بكل صور الإباحة والتمزيق والتخريب. ولا نبالى أن ذكر أن بلاهة مسئولى تلك البلاد، وخضوع معظم الشعوب المغفلة لنزعات المروجين لفكر التحضر؛ بتبعية الغرباء عنا دينا وثقافة فى فكرهم وثقافتهم مضمونا وشكلا؛ حتى وقعت الواقعة . 

       وإنَّ من أمثلة هذه البدع الخائن أصحابها لقيم العروبة والإسلام ، والمستهين دعاتها بحضارتنا العريقة عقيدة وثقافة وإنجازا راشدا قويا - من تلك الأمثلة أنهم يجدون فى الدعوة إلى اللهجة العامية تحدثا وكتابة فيما لايجدى التحدث فيه أوكتابته إلا بالفصيحة التى تحفل أساليبها بكل عناصر العطاء التعبيرى وفق مستوى الموضوعات و حاجة المخاطبين؛ومن مبادئ لغتنا الخالدة قول من قال : " لكل مقام مقال"، وعلينا أن نعى بدقة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : " إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكمة " ؛

          فالفصيحة لغة البيان المهذبة للعقول حتى تفهم وتعى ماتفهمه . ونزداد قناعة بقيمة تلك الفصيحة ؛ حين نقرأ قوله - تعالى - : " وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربى مبين " الشعراء من 192- 195. وشاعر النيل : حافظ إبراهيم لما سادت موجة الدعوة إلى العامية؛ باتهام الفصيحة بالرجعية،وعدم قدرتها على مواكبة متطلبات الحياة الحديثة- دافع مع المدافعين الشرفاء بحجة قوية بالغة القوة ؛ إذقال فى قصيدته الخالدة: " اللغة العربية تتحدث عن نفسها ": أنا البحر فى أحشائه الدر كامن ........فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى؟ ........ وسعت كتاب الله لفظا وغاية ........ وما ضقت عن آى به وعظات ........ فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ....... وتنسيق أسماء لمخترعات؟. وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق