تحدثت فى منشور سابق عن المذبحة الثقافية التى أعدت ، وفُعِّلتْ لإعدام كيان لغتنا العربية شكلا ، ومضمونا ، وآلات القتل هى ألسنة العرب ، والمسلمين ، وأيديهم فى المقام الأول ، بعد أن كانت - فى عصور الازدهار - فى مقامات متأخرة ، والمهم أنها مؤامرة شرسة بين عدو شرس ، وعميل جاهل بمعرفة حقيقة لغته وقيمتها ، وتجد ذلك فى دروب حياتية مختلفة ، تتنازعها أندية الفكر ، والثقافة ، والتربية والتعليم مثلا ؛ بحجة أنها متخصصة : هى متخصصة فى الصورة والشكل ، لكنها مستهترة مستهينة فى التطبيق والواقع ، وإذا أضفنا إلى تلك المجالات شيئا يوضح فسنجد منها صورا كتيرة متراكمة للفبركة اللغوية العشوائية ، يقدم نماذجها المتدنية المخجلة - على سبيل المثال - هؤلاء الذين تقدمهم جهات عملهم للتعبير عن قضايا تلك الجهات فى محافل ذات مناسبات مختلفة إيجابا ، أو سلبا ،مدحا أو ذما تجاه المنجَز ، والمراد : فيتحدث المتحدثون ، ومن أسف فإنهم يستقون تعبيراتهم من مسطر ضخم أمامهم، لكن العين مع اللسان يلتقطان كلاما مهلهلا ، ولغة هى أقرب إلى العامية المسفة ، والبهلوانية الهشة المريضة ، وبالجملة فإنك تسمع جعجعة ، ولا ترى طحنا ؛ فصخب وضوضاء يصحبانك إلى طريق للحديث شائك مؤلم، لايخرج السامعون منه بغير القعقعة ، والطنطنة ، مع زحمة شديدة فى الأخطاء النحوية ، والتركيبية التى لاتدل على كثير مما يوصف به السيد المتحدث من مكان مرموق أدبى ، أو إدارى ؛ لأن الحقيقة التى لاينكر عاقل إثباتها أنه لا كمال لمكانة من أى نوع - بعد الإيمان الصادق بالله.... إلا بكمال صحة اللغة أداة التفاهم ، والتخاطب ، وهى هوية التحاق المرء بأمته وأهله فى العلم والعمل.
فكفانا تسيبا و إهمالا بتلك اللغة التى يعطيها العالَم الآخر -فى دوائر ثقافاته من العناية والاهتمام ؛ لإثبات الذات بقدر ما نقصر فيه نحن ؛ لإهدار الذات وطمس معالم التحضر والارتقاء ؛ إنْ قصدا، أوجهلا ، أو نسيانا ، أو استهتارا ؛ وكل ذلك ثابت - بلا ريب - وموجود : فإن أردتَ تأكيدا فراجع مضابط مجلس النواب فى مفتتحه - منذ بضعة أيام - ، و استمع إلى الكلمات التى سجلت فسيصك القول أذنك ، وتتقذذ منه نفسك ؛ لا من حيث جوهر فكره ، و معطيات خط سيره ؛ فكل ذلك منطقى ورائد وجميل ؛ وإنما من حيث تهتك لغته ، و تزاحم أخطاء لهجته ، وعنعنة المتكلمين فى نطق عباراته ، بل والخطأ الشنيع فى آى القرآن الكريم ، وهى من آى سهلة ، و متداولة ، بينما العالم كله ، أو قل معظمه يصغى إلى ما يُتَحدَّثُ به فى مجلس نواب مصر الجديد رمزها المعبر عن آمالها ، و تطلعات المنتمين إليها لنمو وتقدم وازدهار - بعون الله سبحانه وتعالى-؛ لكن لن يكون شيء من ذلك ما لم نتدبر فى اللغة العربية قيمتها ، ونحسب لوجودها فى كياننا وجودا فاعلا ؛ لاتتم به مكانة لأحد إلا إذا اتخذناه وسام عز ومجد و سؤدد . اللهم ارفع لمصر كل راياتها ، و أصلح لها كل شئون حياة أهلها فى ظل عمل دءوب صالح يرضيك يارب العالمين !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق