(مولد الرسول الخاتم مولد الهدى والرشاد)
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)سورة اﻷحزاب 40 ،
وشاهد الصدق لما تضمنته معانى الآيات الكريمة-هو الواقع الحياتى منذ أن أشرقت أنوار المولد الكريم ؛ فارقة بين ماض جاهلى تموج فى رحابه ضلالة عامة عارمة أفسدت العقول بمفاهيم اهتزت بها موازين الحق والعدل والسلم أيما اهتزاز، واختزنت فى القلوب من الأحاسيس ما زين لها الأباطيل صدقا ، وفلاحا؛ فارتكبت كل الموبقات العقدية ، والاجتماعية ، والنفسية ؛ حتى استغرقتهم الشهوات ، وزلت بهم الأقدام إلى مستنقعات تجرعوها كئوس بغى ، وفساد استشرى ، ولم يتوقف عند حد ، مع كثير مما اختلت به العقيدة ؛ حتى عُبِدَ الحجر ، والشجر، وعبدت نماذج مختلفة الأنواع ، والأحجام ، والأشكال من خلق جامد لا عقل له ، ولا سمع ، ولا بصر ، ولا بصيرة ؛
فهل يعطِى العاقل الواعى لهؤلاء السفهاء مسمًّى يتماذج بالكيان البشرى المخلوق لعمارة الكون بما تستقر به الحياة الآدمية ، وتستقيم ؟.
وتدخلت المشيئة العليا فولد محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان مولده آية عظيمة للإنقاذ ،والخلاص ؛ إذ كان ذلك المولد - بما أحاط بخبره من رجة اهتز لها العالم شرقا ، وغربا ، وشمالا ، وجنوبا- دليلا على صدق إرهاصات كثير من الكهنة والعرافين، بل من أهل الكتاب أنفسهم ؛ يقول -تعالى-:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ"(6)الصف
و بعد : فإنَّ الحديث حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شائق ، ومبارك ، ولا يقف عند حد ؛ لما احتوته السيرة المحمدية العطرة من معان يجد فيها الباحث المحقق شمولا، وعموما يحتوى على خيرى الدنيا ، والآخرة بكل ما يؤدى بالأفراد ، والجماعات إلى الصلاح والفلاح والنجاح ، الذى يرضى ربنا ، وتستقر به الحياة الدنيا ، ويحظى العاملون الصالحون المخلصون فيها بالدرجات العلا فى دار النعيم . كيف لا ، والمولى - جل وعلا- يقول لحبيبه ، ومصطفاه : "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"107الأنبياء .
ويقول له- تعالى-: "وإنك لعلى خلق عظيم"4ن.؟ فأشرقت بمولده ، وحياته ، وبعد مماته شموس الهدى؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
قال تعالى:" الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿1﴾إبراهيم.
وبعد أكثر من ألف ، وأربعمائة ، وخمس ، وثلاثين سنة ثبت للدانى ، والقاصى أنه - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين ؛ إذًا فهو صاحب الرسالة الخاتمة الجامعة الصالحة لكل متطلبات الحياة ، حتى تقوم الساعة ، ورحمته بأمته لم تقف عند ذلك الحد ؛ فهو الذى ادخر لها الشفاعة ؛ حتى لا يخلد أحد منها فى النار .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا ، وَإِنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .ويقول عليه السلام -:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر". ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب المعجزات الكثيرة، من أهمها فى صدق دعوته ، وعموم رسالته- مع استمرارها فاعلة قوية- معجزتاه : القرآن الكريم، و انتهاء عصرالنبوات بعده ثم نسأل الله- تعالى - التوفيق
**************************
والجدير بالذكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- كان يقول:"عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، من بعدى ، عضوا عليها بالنواجذ " ومولد الرسول -عليه السلام - حدث عظيم ؛ بعده تغيرت معالم الحياة من شر خطير إلى خير وفير؛ سعدت به الدنيا ، وارتفعت راية التوحيد خفاقة وضاءة ؛ فذهبت مع " لا إله إلا الله محمد رسول الله" - كل مظاهر الجهل ، والعبثية التى كانت تقدس الطبيعة ، وتعبد الإنسان ، وتركع للظلم ، وتتعاطى كل منكر يؤذى الملكات ، والجوارح ، ويفتت كل انسجة القيم الآدمية التى هى مناط الكرامة والعزة وإثبات الهوية والكيان . آخر رسول معه آخر رسالة ، وآخر دستور؛ تلك هى معالم الحياة النظيفة الرتيبة المتجهة فى صراط الله المستقم ؛ من أجل الناس جميعا ؛ يحيون حياة تعمر بحركتهم المهذبة المنجزة المتعاونة القوية العزيزة تحت مظلة الحق ، والعدل، والسلام .
علينا ـ أن نستعيد ما يمكن استعادته من سيرته - صلى الله عليه وسلم -، وروائع أفعاله ، وأقواله ، وإقراراته ، وصفاته ، نعيش فى معيته ؛ متجاذبين مع روحه الطاهرة ، وقد حبانا المولى- جل وعلا - نعمة الكينونة فى رياضه اليانعة ؛ لنكون من أمته عليه أفضل الصلاة ، وأتم التسليم .
ثم ألم يكن الاحتفال بمولده- صلى الله عليه وسلم - يوما من أيام الله -تعالى-التى تجب له الذكرى والتذكير؛ بوصفه معلما من معالم الخروج من عالم الهمجية ، والضلال إلى عالم الانضباط والاستقامة ؟ ولقد خاطب الله - تعالى - سيدنا موسى- عليه السلام-فى قوله:
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ، وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ" (إبراهيم 5،6).
ذلك الاحتفال بصوره المقبولة شرعا أمر فطرى فى الإنسان أن يذكُر، ويتذاكرأحداث الماضى الذى احتوت أزمانه على مكرمات ، ونفحات غيرت المسار إلى حيث النجاة ، وأعظمت فى الناس قيما عليا ، ومُثُلا فضلى ؛ تفجرت بالعطاء الدافق بكل أسباب الفوز بالقبول من الخالق العظيم ؛ فتصفو للمرء حياته الدنيا ، وتنفرج أمامه الكرب:" يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .وأزلفت الجنة للمتقين.وبرزت الجحيم للغاوين".
فماذا لو كانت الذكرى هى مولد محمد - صلى الله عليه وسلم - الذى قال الله -تعالى-فيه :" هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا"، وقال له: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وقال عن نفسه : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"-" إنما أنا رحمة مهداة " ؟ صلى الله وسلم عليك ، وعلى آلك ، وصحابتك ، والتابعين، ياسيدنا ، وحبيبنا ، وشفيعنا يارسول الله! ".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق