مقالات

الجمعة، 16 سبتمبر 2016

نشأة النحو العربي : من كتاب نشأة النحو ( الأستاذ عبد العزيز النجار )

       يقول الأستاذ النجار تحت عنوان : " مقدمة مهمة ":
          " معلوم أن العرب فى جزيرتهم كانوا يتكلمون العربية بالسليقة، وكان اتصالهم بمن حولهم قليلا ، واستمروا على ذلك حتى جاء الإسلام ، وانتشر خارج الجزيرة العربية ؛ فاضطروا للاختلاط بغيرهم . ووفد عليهم كثيرون من الأعاجم للحج والتجارة وتبادل المنافع ؛ فأخذ الفساد يدب فى سليقتهم ، وسرى شىء من اللحن فى لغتهم ، وساعد على ذلك أنها لغة معرَّبة يسرع إليها اللحن .

     وقد ظهر اللحن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى أن رجلا لحن فى حضرته ؛ فقال لمن حوله : " أرشدوا أخاكم "؛ فحمل ذلك المفكرين على وضع قواعد ؛ لحفظ اللغة من الفساد، وهى لغة القرآن والحديث.......
        " وقيل: إن أبا الأسود الدؤلى البصرى المتوفى سنة 67هـ - أول من بدأ هذا العمل ووضع أساس النحو؛ وذلك بضبط المصحف،  ووضع علامات تدل على الحركات المختلفة، ثم أعقبه العلماء، وتوسعوا فيما بدأه أبوالأسود ، وأثاروا بعض مسائل فى النحو حول آيات من القرآن وأبيات من الشعر .
    وقيل : إن عيسى بن عمر الثقفى المتوفى سنة 149هـ جمع تلك المسائل المتفرقة فى كتابين: سمى أحدهما : " الجامع " والآخر :

" الإكمال"، ولكن لم يصلنا شىء منها .

          وجاء معجزة القرن الثانى - الخليل بن أحمد المتوفَّى سنة175هـ،فعكف على دراسة هذا العلم،وأعمل فكره وذكاءه فى تتبع النصوص والشواهد ، واستنباط القواعد منها . وكان له الفضل الأكبر فى إرساء قواعده ، ووضْع أصول مسائله - على نمط يقرب من النحو الذى نعرفه الآن ، ولم يؤلف فى ذلك كتابا،وإنما أوحى بعلمه ونتائج دراسته إلى تلميذه: (سيبويه ) الذى ضم إلى آراء أستاذه - علمه ودراسته، وعلم العلماء فى عصره، ثم رتب ذلك كله وأودعه كتابه" كتاب سيبويه " الذى نال ثقة العلماء من بعده ، ولا يزال مرجعهم إلى اليوم ، وكل ما ألف بعده مستمد منه ، وإذا أطلق لفظ " الكتاب" انصرف إليه .

     " وقد كان القرآن ، والحديث ، والشعر العربى الموثوق بصحته، ومشافهة العرب والرحلة إليهم فى بواديهم وغير ذلك - أساس تلك الدراسات المختلفة، وتحمل العلماء فى تتبع النصوص الصحيحة المتنوعة لاستنباط القواعد العامة منها - كثيرا من المشاق والمتاعب ، وبذلوا فى ذلك جهدا من النفس والمال يجل عن الوصف والاحتمال.
ولما كانت قبائل العرب ليست فى مستوى واحد من الفصاحة والسلامة من الخطأ؛ بسبب الاختلاط بالأعاجم ، وقرب بعضها من الحضر - تحرى العلماء الأخذ من القبائل الموثوق بها ، وهم : قيس ، وتميم ، وأسد ، وهذيل ، وبعض كنانة ، وبعض الطائيين . واستُبعدت قبائل : حِمْيَر ، ولخم ، وجذام ، وقضاعة ، وغسان ، وإياد ، وثقيف ، وغيرهم ؛ لمجاورتهم الأعاجم ، وتسرب اللحن إليهم.........

     " وكان علماء البصرة بالعراق أول من عنى بتدوين النحو ووضع قواعده بعد الدرس والاستقراء فى أكثر القبائل العربية ، ورأوا التزام هذه القواعد والتمسك بها، وأهدروا ماخرج عنها من الأساليب العربية فى القبائل التى لم يثقوا بها ، واعتبروه شاذا أو خطأ ، مع أنه قد يكون فى الواقع غير ذلك . 
       وإذا ورد مايناقض قواعدهم من أقوال الموثوق بهم ، ولا مجال للطعن فيه - تأولوه وتكلفوا فى تخريجه ، وإذا أعجزهم ذلك قالوا إنه ضرورة أو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وهو تشدد صارم من البصريين ؛ لأن اللغات بلهجاتها المختلفة لا تخضع للقياس ولا للقواعد العامة .
              
      ويعتبر سيبويه وكتابه - على رأس المذهب البصرى، ومن أشهر علمائهم : أبو عمرو بن العلاء ، والأخفش ، ويونس بن حبيب ، واليزيدى،  والجرمى ، والمازنى ، والمبرد ، والزجاج ، وابن السراج ، والفارسى ، وغيرهم . 

        ثم جاء علماء الكوفة بعد ذلك بنحو قرن من الزمان،ودرسوا الأسس والقواعد التى وضعها البصريون، فوجدوا فى بعضها قصورا؛ نتيجة استقراء ناقص وإهمال للغات بعض القبائل . 

          
      وكان الكوفيون أكثر رواية للشعر من البصريين ؛ لهذا رأوا احترام ماورد من العرب ، وأجازوا استعماله ولو لم يجر على القواعد التى وضعها البصريون ؛ فنشأ عن ذلك اختلاف بينهما فى كثير من الفروع النحوية . 
وعلى رأس الكوفيين: أبو جعفر الرؤاسى،وتلميذه الكسائى، والفراء . 
ومن أشهر علمائهم : هشام بن معاوية الضرير، وابن السكيت ، وابن الأعرابى ، والطوال ، وثعلب ، وابن كيسان ، والأنبارى ، وغيرهم.

    يقول الأستاذ محمد عبد العزيز النجار: 
" وقد حدثت بين الفريقين: ( البصريين والكوفيين) خلافات ومناظرات؛ ابتدأت هادئة بين الخليل،والرؤاسى، ثم اشتدت بين سيبويه والكسائى ومن جاء بعدهما،واستمرت إلى أواخر القرن الثالث،ثم خفت حدة الجدل بعدذلك،والتقى الفريقان وامتزج المذهبان. 
وقد كان لهذه المنافسة أثر حسن فى تجلية بعض القواعد وتوضيح كثير من المسائل .
والحق أن البصريين كانوا أكثر استنباطا ، وأوثق رواية ؛ لتردد فصحاء العرب على البصرة أكثر من الكوفة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق