بسم الله الرحمن الرحيم (1)
وصلى الله على سيدن محمد،وعلى آله وصحبه وسلم!
أما بعد: فقد قصدنا - بعون الله تعالى - إلى أن نقدم نماذج معربة فى ضوء القرآن الكريم؛ فتم لذلك اختيار كتاب:" إعراب ثلا ثين سورة من القرآن الكريم"، لمؤلفه:" ابن خالويه" المتوفَّى سنة سبعين وثلاثمائة من الهجرة.
وسنقدم _ إن شاءالله تعالى - مايمكن تقديمه بمسار يميل نحو الاختصار المفيد.
وسنقدم _ إن شاءالله تعالى - مايمكن تقديمه بمسار يميل نحو الاختصار المفيد.
إعراب أم القرآن ومعانيها : قال أبو عبد الله : سميت سورةُ الحمد المثانىَ؛ لأنها تثنى فى كل ركعة. وقيل الحمد، وقيل المثانى: القرآن كله، وسمى القرآن مثانى؛ لأنه تثنى فيه القصص
وسميت أم القرآن ؛ لأنها أول كل ختمة ومبتدؤها ، ويسمى أصل الشىء أمًّا .
ويقال سميت فاتحة الكتاب ؛ لأنها تفتتح عند كل ركعة . فالحمدُ رفع بالابتداء ، وقرأ الحسن ورؤبة : الحمدِ لله بكسر الدال، أتبع الكسر الكسر ، وقرأ إبرهيم ابن أبى عبلة : الحمدُ لُـله بضم اللام، اتبع الضم الضم ، ويجوز فى النحو الحمدَ لله بفتح الدال .
*********************************
ويستأنف ابن خالويه حديثه حول الفاتحة؛ قائلا :
وهذه الوجوه الأربعة فى الحمد ، وإن كانت سائغة فى العربية - فإنى سمعت ابن مجاهد يقول: لا يُقرأ بشىء من ذلك إلا بما عليه الناس فى كل مِصر : الحمدُ لِله ، بضم الدال وكسر اللام .
ومعنى الحمد لله : الشكر لله ، وبينهما فصل ؛ وذلك أن الشكر لايكون إلا مكافأة ، كأنّ رجلا أحسن إليك فتقول: شكرت له فعله ، ولا تقول: حمدت له.
والحمد: الثناء على الرجل بشجاعة أو سخاء؛ فالشكر يوضع موضع الحمد،والحمد لايوضع موضع الشكر.
عن حبيب بن أبى ثابت قال سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الحامدون الذين يحمدون الله فى السراء والضراء .
وقال أحد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضل الدعاء الحمد لله؛ لأنه يجمع ثلاثة أشياء: ثناءً على الله، وشكرا له،وذكرا له.
والرب فى اللغة السيد والمالك. ورب اسم مشترك، بقال: رب الضيعة،ورب الدار. ولا يقال الرب بالألف واللام إلا لله تعالى!
*******************************************************
"العالمين"جر بالإضافة ، والعالمين جمع واحده عالَم ، والعالَم جمع أيضا لا واحد له من لفظه ، وواحده من غير لفظه : رجل أو فرس أو امرأة أوغير ذلك.
وقال آخرون : العالَم لا واحد له من لفظه ولا من غير لفظه ؛ لأنه جمع لأشياء مختلفة. وحدثنا ابن مجاهد عن السّمرى عن الفراء قال : العالَم يقع على الناس والملائكة والجن .
" الرحمن" جر صفة لله تعالى .
" الرحيم" جر صفة لله عز وجل . فإن سأل سائل ،فقال : إذاجُعلت بسم الله الرحمن الرحيم آية من الكتاب - فما وجه التكرير ؟ فالجواب فى ذلك أن الآية إذا ذكرت مع الزيادة فائدة ،لم تسم تكريرا .
" مالك يوم الدين" مالك بالجر نعت لله . وفى ملِك لغات أحسنها ملِك ومالِك ، وقد رُويتا جميعا عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك أن أعرابيا جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه امرأته، فقال :
إليك أشكو ذِرْبة من الذَّرَبْ ... يامالك الملك وديّان العربْ ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: ذلك الله !
****************************************
" يوم الدين" يوم جر بالإضافة ، و" الدين" جر بإ ضافة اليوم إليه . فإذا جمعتَ اليوم قلت أيام ، والأصل أيوام قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء . والدين الحساب والجزاء؛ تقول العرب: " كما تدين تدان"أى : كما تفعل يفعل بك، قال الشاعر :
واعلم وأيقن أن ملكك زائل...واعلم بأنّ كما تدين تدان
********************************************
فإذا سأل سائل ، فقال: الله - تبارك وتعالى - ملك الدنيا ، والآخرة ؛ فلم قال : " ملك يوم الدين" ؟
فالجواب فى ذلك أن الدنيا قد ملكها الله أقواما؛ فنسب الملك إليهم، فلما كانت الدنيا يملكها الله - تعالى -، ويملكها غيره بالنسبة لاعلى الحقيقة ، والآخرة لايملكها إلا الله - تبارك وتعالى -ولا مالك فى ذلك اليوم غيره فخُص لذلك .
وقد قيل: إن الدنيا ملكها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، والكافران نُمْرُود وبُخْتَنصَّر.
والدين فى اللغة أشياء ، فالدين الجزاء وقد فسرته، والدين الطاعة، كقوله:
" فى دين المَلِك"أى فى طاعته . والدين الملة، قال الله - تعالى:" إنَّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلام". والدين العادة . تقول العرب: مازال ذاك دأبه وعادته وديدنه ودينه .
*****************************************
" إياك " : ضمير المنصوب المخاطب كقولك: إياك كلمت ، والثوب لبست ، فإذا
أضمرت قلت : إياه لبست . ولا يكون إلا منفصلا إذا تقدم، فإذا تأخر قلت: نعبدك ، ولا
يجوز نعبد إياك،وتقول:لبسته، ولا تقول: لبست إياه؛ لأنك إذا قدرت على المتصل لاتأت
بمنفصل إلا أن يضطر شاعر، كما قال:
كأناَّ يوم قُرَّى إنـمـــــانقتل إيانا
أما الشاعر الآخر فيقول:
إياك أدعو فتقبل مَلَقى... واغفر خطاياى وثمِّر ورقى
والوَرِق والوَرَق والْوُرق كله الدراهم.ويقال للرجل أيضا ورّاق أى : كثير الدراهم،
والورَق بفتح الراء الصبيان الملاح، والورَق قدر الدرهم من الدم على الثوب، والورَق ورَق
الشجر، والورَق ورَق المصحف.
واختلف أهل النحو، فقال بعضهم: إياك بكماله ضمير المنصوب،وقال آخرون:
الكاف فى موضع خفض، كماتقول: إيا زيدٍ، واحتجوا بقول العرب:
إذا بلغ الفتى ستين سنة فإياه وإيا الشوابِّ .
*****************************************
" نعبد" فعل مضارع علامة مضارعته النون، وعلامة الرفع ضم آخره. فإذا صرفته قلت: عبد يعبد عبادة فهو عابد والله معبود .
والعبادة فى اللغة التذلل والخضوع . تقول العرب : أرض معبَّدة أى مذللة. وسميت الصحراء أم عُبيد ؛ لأنها تذل من سلكها . وأما عَبِدَ يَعْبَد فمعناه أنِف يأنَف ؛ قال الشاعر :
وأعبَدُ أن تُـهجَى كُليْْْب بِدارِم ." أعبَد " أى آنَف .
وقال الله - تعالى -:" قل إن كانَ للرحمنِ ولدٌ فأنا أولُ العابدين" أى الآنفين .
" وإياك " الواو حرف نسق ينسق آخر الكلام على أوله ويشركه فى إعرابه اسما على اسم وفعلا على فعل وجملة على جملة. " و " إياك " نسق بالواو على الأول .
*****************************************
" نستعين فعل مضارع ، وإنما ارتفع الفعل المضارع لوقوعه موقع الاسم ، وهو فعل معتل ، والأصل فيه نَسْتَعْوِن على وزن نستفعل ؛ فاستثقلوا الكسرة على الواو ، فنقلت إلى العين، فانقلبت الواو ياء لانكسار ماقبلها ؛ لأنهم نقلوا كسرة الواو إلى العين فصار نستعين.
ومعنى استعنت الله: سألته أن يعيننى على عبادته، واستغفرت الله أى سألته أن يغفر لى.
والمغفرة فى اللغة الستر.
" اهدنا" اهد دعاء ولفظه لفظ الأمر سواء ، والنون والألف اسم المتكلمين فى موضع تصب، وسقطت الياء للدعاء . وهو عند الكوفيين مجزوم بلام مفدرة ، والأصل لِتهدنا ياربنا ، وكما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "فبذلك فلْتَفْرحوا"،وهو من هدى يهدى هداية، والله هاد ، والعباد مهديون. أما قوله: "ولكل قوم هاد، فمعناه داع يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى!
***************************************************
" الصراط"
منصوب مفعول ثان. تقول العرب: هديت زيدا الصراط وإلى الصراط وللصراط بمعنى واحد؛ كما قال - تبارك وتعالى -:" الحمد لله الذى هدانا لهذا"،وقال فى موضع آخر :"وإنَّكَ لتهدى إلى صراطٍ مستقيم" ، فكل ذلك جائز وقد نزل به القرآن .
والصراط الطريق الواضح والمنهاج ، وهو هنا عبارة عن دين الإسلام ؛ إذ كان من أجل الأديان وأوضح السبل إلى طريق الآخرة وإلى الجنة وإلى عبادة الله ؛ قال جرير :
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم .
وفى الصراط أربع لغات : السراط بالسين وهو الأصل ، وبالصاد لمجىء الطاء بعدها ،
وبالزاى الخالصة : " الزراط، " وبإشمام الصاد الزاى ، أى بين الصاد والزاى ، كل ذلك قد قرئ به ؛ ومثله : سندوق وصندوق وزندوف . أخبرنى ابن دريد عن أبى حاتم قال : اختلف اثنان فى السقر والصقر ، فقال أحدهما بالسين، وقال الآخر بالصاد ؛ فسألت أعرابيا : كيف تقول : أبالصاد أم بالسين : فقال :أما أن فأقول بالزاى .
*****************************************
يقول ابن خالويه حول تفسير وإعراب الفاتحة: - بعد أن ذكر أن فى :" الصراط" أربع لغات : وأنشد ابن دريد قائلا : ولا تهيبنى الموماةُ أركبَها ...... إذا تجاوبت الأزداءُ بالسحَر
أراد الأصداء.والصدى ذكر البوم،وصوت البوم، وعظام الميت إذابلى،والعطش،
والصدى أيضا مايجيبك فى تهْو أوصحراء ويسمى ابنة الجبل، ويقال فلان صدَى مال إذا كان حسن القيام عليه مثل تُرِعْيةِ مال.
ثم يقول فى " الصراط" : وعلامة نصبه فتح الطاء."
المستقيم: نصبٌ نعتٌ للصراط ؛ وذلك أن النعت يتبع المنعوت فى إعرابه،ولا ينعت معرفة إلا بمعرفة،ولا نكرة إلا بنكرة، فإن جئت بالنكرة بعد المعرفة نصبته على الحال، كقولك مررت بالصراط مستقيما،" وهذا صراط ربك مستقيما"،"وهو الحق مصدقا".
والمستقيم مُسْتَفْعِل، وهو معتل عين الفعل منه واو،والأصل مُسْتَقْوِم،
فاستثقلو الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف،فانقلبت الواو ياء لانكسارماقبلها. حدثنى محمد بن أبى هاشم عن ثعلب عن ابن لأعرابى قال:
سئل الحسن البصرى عن الصراط المستقيم فقال:هو ( واللهِ) أبو بكر وعمر وعثمان وعلى الحجة بعد النبى صلى الله عليه وسلم! وقال أبو العالية فى قوله:" اهدنا الصراط المستقيم": أبو بكر وعمر، فسئل الحسن عن ذلك،فقال: صدق أبو العالية ونصح.
****************************************
محمد حفني القرشي
10 ـ 30 يونيو، 2014
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق