مقالات

الجمعة، 9 سبتمبر 2016

اللغة العربية : القراءة والكتابة والتحدث (٣)

           بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين! - - مازال الحديث فى دورانه حول الفصحى القادرة على ملامسة كل الفطر الإنسانية؛ بالقدرة التى أودعها الله - تعالى - فى تكوينها ؛ حتى تكون لغة القرآن والإسلام،وكما سبق القول فهما والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - معهما مبلغا - مسار الهداية والإصلاح إلى يوم القيامة .

          ونؤكد مرة أخرى أن ذلك المثلث المبارك : - الرسول والقرآن والرسالة - هو السبب الأول فى تنامى داعى الحقد العالمى؛ لعدم تكراره فى مجريات المعتقدات الأخرى الصحيح منها والزائف ؛ حتى إن القرآن الكريم ساق لنا فى بعض آياته بعض المواقف الحاقدة الطاعنة،مثل قوله - تعالى - : " وإذ قال عيسى بن مريم يابنى إسرائيل إنى سول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين" الصف 6. وفى نفس السورة يفول - سبحانه وتعالى - : "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون . هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون "8 - 9. 

          واستمرت حملات التشويه و التقليل من شأن الفصيحة تأخذ طرقا متعددة تنوعت بتنوع التطور المعرفى آدابا وفنونا وعلوما وتقنييات ومخترعات، والغريب أنه كان ممن قادتلك الحملات فى موكب الغرباء عرب ومسلمون؛ بدوافع كثيرة منها - مثلا - الجهل بمعرفة لغتهم العربية الخالدة ربما لأن ثقافة العالم الآخر ولغاته قد استغرقتهم إلى أن شاع أن التحضر والمعاصرة لايكونان إلا بالاتصال بالأجنبى؛ يأخذون منه الفكر واللغة ويأخذون منه فنونه وآدابه،،بل تقاليده وعاداته وأخلاقه، 

         وفى ذلك المنعطف التقدمى الذى زعموه ألقوا بأولادهم بنين وبنات يعبون من مشارب الفوضى والإباحية وضروب فاضحة من منكر؛حذرت قيم الإسلام الحنيف من ارتكابه،وبينت مسالبه وأضراره تبيانا يرشد إلى الصواب الصحيح لحياة الإنسان فى مبدئه ومنتهاه ؛ يقول - تعالى - : " يأيها الذين آمنوا اتقو الله وقولوا قولا سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما " الأحزاب 70 - 71. فهبت كثير من الهيئات العلمية الأدبية العربية المسلمة ؛ ليدافع من فوق منبرها الرفيع كبار المفكرين والمثقفين من العلماءوالأدباء والشعراء؛ليدافعوا عن اللغة العربية بكل مكوناتها الراسخة الرائدة؛مؤكدين أنها لغة الزمان والمكان فى كل بقاع الدنيا،واستطاعوا أن يكشفوا للدنيا أن حملات الخصومة للغة القرآن ماكانت إلا حملات مقنعة ضد القرآن والسنة وثقافة المسلمين المستمدة منهما ؛ فهو حقد على الإسلام الحنيف لصدق رسالته وسمو عطائه مضادا لفوضى أخلاق الآخرين وانهزام مسارها الهمجى المنحل . 

           وواجهت تلك اللغة الخالدة بأساليبها وتراكيبها ونحوها وصرفها وبلاغتها وكل مقوماتها - واجهت فى الماضى موجات عاتية من النقد المنبعث من اتهامها بالرجعية والتخلف فى مسايرة الجديد فيما طرأ على الحياة من تطور،لاتستطيع تلك اللغة مواكبة نماذجه ومواءمة مراميه. وسبق أن قلنا إنها نزعة الكراهية للإسلام الخاتم ذى القدرات الفكرية والأخلاقية المتميزة التى عجزت عقولهم وخارت كل محاولاتهم الراغبة فى الظهور والتفوق أمام قوة صدق المنهج الإسلامى دينا ودنيا ، ولم يسعفهم فى دعاواهم إلا أنصار لهم؛ يعيشون بنفس المستوى الفكرى الأخلاقى المنحرف؛ إذ استطاعت تلك الفئات الوهناء أن تروج للعامية؛ فظهر فى المجالات الفنية القصة بالعامية والمسرحية بالعامية والشعر بالعامية، وتحد ث، وكتب كثيرممن ينسبون أنفسهم إلى المعرفة والثقافة والصحافة والإعلام؛ مستخدمين العامية .

       وإنَّ مما يثير فى النفوس الشريفة الدهشة المؤلمة أن يُكرَّم هؤلاء العاميون من جهات مسئولة عن الفكر والفن،ويُهمَل الفصحاء وحراس اللغة الصحيحة والفن الرائد وسدنة كعبة القيم الأدبية المثلى من مثل ذلك التكريم؛ حتى إنَّ واحدا من شعراء العامية - إن صح هذا التعبير - أطلقوا عليه لقب : " أمير الشعراء " والقضية ليست حربا على العامية بوصفها لهجة العامة ،والأسلوب الشائع للتعامل اليومى فى البيت والشارع والسوق والمواصلة والمزرعة،وفى كل تواصل يتمثل فيه المتعلم وغير المتعلم والكبير والصغيروالرجل والمرأة. 

         نعم لايقدح أحد فى أن تكون لغة التفاهم والتعامل هى العامية . واللهجة العامية مزيج من كلام مكتسب من وقائع كل بيئة فى حركات حياتها السلوكية والعملية،ولا عجب أن نقول إن لها من اللهجات العربية الفصيحة نصيب،ومن اللغات الأجنبية نصيب. وعلى رغم أنها كذلك فإنها محلية محدودة الموقع؛نجدها متفاوتة الألفاظ المسوقة للتعبير،متفاوتة المعانى المرادة من هذه الألفاظ وتلك الأساليب ؛ فلغة الوجه البحرى العاميةعندنا فى مصر - مثلا- غير لغة الوجه القبلى وتختلف قى بلاد الوجهين شمالا وجنوبا وشرقا وغربا اختلاف التوزيع الجغرافى والمناخى و المدنى والقروى والساحلى والداخلى والصحراوى والحضرى،وعامية مايسمونه بالأحياء الراقية غير عامية الأحياء الشعبية، هذا إلى الاختلاف بين الدول والأمم فيما يسود فيها من اللهجات العامية فى البلاد التى لغتها العربية الفصيخة أصلا بقصاحة الإسلام وكتابه وسنة نبيه صلى الله علييه وسلم ، وإن كانت العامية فى الدول العربية فى بعض أحايينها متقاربة متشابهة؛لأنها تحتوى على بعض من الفاظ اللهجات العربية الأصيلة التى اعتمدتها الفصيحة واعتمد بعضا منها القرآن الكريم ، وقد أشرنا سلفا إلى القراءات السبع والعشر. وقيل إن هناك الأربع عشرة إلا أن الجمهور يقول بشذوذها . نستكمل فى المنشور القادم إن شاء الله تعالى !

محمد حفني القرشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق